الشيخ عبد الغني النابلسي
97
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
بيديه غير آدم عليه السلام ، فقط على وجه التشريف والتعظيم له ( ولهذا قال ) جل وعلا في كلامه القديم ( لإبليس ) عليه اللعنة ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [ ص : 75 ] بالتشديد تثنية يد ( وما هو ) ، أي خلقه له بيديه معا ( إلا عين جمعه ) تعالى له حين خلقه ( بين الصورتين ) اللتين هما في الحقيقة كناية عن تلك الصفتين المتقابلتين على حسب ما سبق بيانه ( من صورة العالم ) ، وهي الظاهرة بالحضرتين معا : حضرة الجلال وحضرة الجمال ، وحضرة الغضب وحضرة الرضاء ، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن ، وحضرة الأول وحضرة الآخر ، إلى آخره ، ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجلال على حضرة الجمال ، وحضرة الغضب على حضرة الرضاء ، وحضرة الظاهر على حضرة الباطن ، وحضرة الأول على حضرة الآخر ، ولهذا كانت هي اليد الشمال لغلبة ما لا يلائم فيها على ما يلائم ، وقد طرد إبليس عن الحضرة الإلهية إلى هذه الحضرة فقال له تعالى : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ الحجر : 34 ] ، فخرج على هذه الحضرة فهي محل الرجم وموضع اللعن والطرد ، فيها خلق اللّه النار ، ويخلق كفة السيئات من الميزان ، وخروج آدم عليه السلام إليها يسمى هبوطا لا طردا كما قال تعالى له ولحواء : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً [ طه : 123 ] . وأشار تعالى إلى نوح عليه السلام بالخروج إليها من سفينته فقال له : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ [ هود : 48 ] ، وذلك لأن آدم ونوحا عليهما السلام لهما عودا إلى حضرتهما الأولى وصعودا إليها بعد هبوطهما منها إلى هذه الحضرة الشمالية ، وليس لإبليس عليه اللعنة عود ولا صعود وهي محل الغين الذي كان يقول عليه السلام عنها : إنه ليغان على قلبي ، وإنّي لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » « 1 » . وفي رواية : « مائة مرة » « 1 » وهي أسفل سافلين التي قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 4 ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ 5 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ التين : 4 - 6 ] الآية . ( وصورة الحق ) تعالى وهي الظاهرة بالحضرتين أيضا معا ، حضرة الجلال وحضرة الجمال ، وحضرة الغضب وحضرة الرضاء ، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن ، وحضرة الأوّل وحضرة الآخر إلى غير ذلك ، ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجمال على حضرة الجلال ، وحضرة الرضاء على حضرة الغضب ، وحضرة الباطن على حضرة الظاهر ، وحضرة الآخر على حضرة الأوّل . ولهذا كانت هذه الصورة هي اليد اليمنى لغلبة ما يلائم فيها على ما لا يلائم ، ومنها كان هبوط آدم وحوّاء وإليها رجوعهما ، وفيها خلق اللّه تعالى الجنة ، وإليها رفع إدريس عليه السلام
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب استحباب الاستغفار ، حديث رقم ( 2702 ) [ 4 / 2075 ] ورواه أبو داود في السنن ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1514 ) [ 2 / 84 ] ورواه غيرهما .